الشيخ محمد هادي معرفة
195
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
التي تشتمل عليها كلّ سورة لذاتها بحيث كادت تقرب من نظم التأليف من ديباجة ومقاصد وخاتمة في تبويب رتيب ، حصولًا على قدر الجهد المبذول ، واللّه من وراء القصد . سورة الفاتحة : ما يشتمل عليه هذه السورة القصيرة من نظم وترتيب طبيعي ، هو من أبدع النظم التي تصوّر موقف العبد تجاه ربّه الكريم ، في ضراعة وخشوع ، مسترحما مبتهلًا إيّاه تعالى أن يهديه سواء السبيل وينعم عليه بأفضل نعمه وآلائه ، في أسلوب جميل وسبك طريف . إنّ هذه السورة المباركة انتظمت من ثلاثة مقاطع ، كلّ مقطع مرحلة هي مقدّمة للمرحلة التالية في تدرّج رتيب ، ويتمثّل خلالها أدب العبد الماثل بين يدي مولاه . تلك مراحل يجتازها في إناقة يريد مسألته . يمجّده أوّلًا ، ثمّ ينقطع إليه كمال الانقطاع ، وأخيرا يعرض حاجته في أسلوب لطيف : ينتقل من الغيبة إلى الخطاب ، وكأنّه كان في حجاب عن وجه سيّده المتفضّل عليه بالإنعام ، ثمّ مثّل بين يديه وحُظي بالحضور . قالوا : « 1 » إنّ العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد - عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه بقوله : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » الدالّ على اختصاصه بالحمد ، وأنّه حقيق به - وجد من نفسه لا محالة محرّكا للإقبال عليه . فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله : « رَبِّ الْعالَمِينَ » - الدّال على أنّه مالك للعالمين ، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيّته - قوى ذلك المحرّك . ثمّ انتقل إلى قوله « الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » الدالّ على أنّه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها ، تضاعفت قوّة ذلك المحرّك . ثمّ إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام ، وهي قوله : « مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ » الدالّ على أنّه مالك للأمر كلّه يوم الجزاء ، تناهت قوّته ، وأوجب الإقبال عليه ، وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . « 2 » وهذا كمال الانقطاع يبديه العبد لدى مولاه ، يمهّد بها أسباب الشفاعة ، فيردفها مع عرض حاجته ، بُغية قضائها ونجاحها ، والتوفيق يرافقه لا محالة . وسورة البقرة - وهي أولى سورة نزلت بالمدينة ، واكتملت لعدّة سنوات ، ونزلت
--> ( 1 ) - الزمخشري في الكشاف ، ج 1 ، ص 14 . ( 2 ) - الفاتحة 2 : 1 - 5 .